كتاب: الاستخراج لأحكام الخراج

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الاستخراج لأحكام الخراج



وقد تقدم عن مجاهد أنه حمل الآية الأولى على خيبر وقريظة مع ما فيها من نفي الإيجاف فما لم يذكر فيه نفي الإيجاف أولى أن يحمل على حالة القتال فمن هنا قالت طائفة من السلف المراد به ما أخذه المسلمون بقتال من الأرض.
ذكر ابن إسحاق عن أبيه عن المغيرة بن عبدالرحمن قال ابن إسحاق وحدثني عبدالله بن أبي بكر دخل حديث أحدهما في الآخر قال أنزل الله تعالى في بني النضير سورة الحشر فكانت أموال بني النضير مما لم يوجف المسلمون عليه خيلا ولا ركابا فجعل الله أموالهم لنبيه صلى الله عليه وسلم يضعها حيث شاء ثم قال: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} ما أوجف المسلمون عليه بالخيل والركاب وفتح بالحرب {فلله وللرسول ولذي القربى} فهذا قسم آخر بين المسلمين على ما وضعه الله عز وجل فقسم الفيء لمن سمي من المهاجرين والأنصار ولمن جاء بعدهم أخرجه القاضي إسماعيل.
ونحو هذا قال قتادة ويزيد بن رومان وإن هذه القرى مما أخذ بالقتال لكنهم قالوا نسخ ذلك بآية الأنفال فإن أرادوا النسخ الاصطلاحي وهو رفع الحكم فلا يصح لأن آية الأنفال نزلت عقب بدر.
قبل بني النضير وإن أرادوا أنها بينت أمرها وأن المراد بأية الحشر خمس الغنيمة خاصة وهذا قول عطاء الخراساني ذكره آدم بن أبي إياس في تفسيره عن أبي شيبة عنه على تقدير أن يكون المراد الخمس خاصة ولو قيل على تقدير أني كون المراد الخمس خاصة بآية الحشر أنها بينت أن خمس الغنيمة لا يختص بالأصناف الخمس بل يشترك فيها جميع المسلمين كان متوجها ويستدل بذلك على أن مصرف الخمس كله مصرف الفيء وهو أقوى الأقوال وهو قول مالك وقرره عمر بن عبدالعزيز في رسالته في الفيء تقريرا بليغا شافيا رضي الله عنه فهذه ثلاثة أقول في الآية.
إذا قلنا إن الفيء هنا ما أخذ بقتال هل هي منسوخة أو أن المراد بها خمس الغنيمة أو أن المراد بها الأرض خاصة وهذا الثالث أصح ويقرر هذا أن الفيء يستعمل كثيرا فيما أخذ بقتال.
وروى إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال أفاء الله على رسوله خيبر فأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كانوا وذكر الحديث.
وروى يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفاء الله عليه خيبر قسمها ستة وثلاثين سهما وذكر الحديث خرجه أبو داود وإذا تقرر هذا فمن رأى دخول الأرض في أية الغنيمة خاصة أوجب قسمتها بين الغانمين ومن رأى دخولها في آية الفيء خاصة فمنهم من أوجب إرصادها للمسلمين عموما كقول مالك وأصحابه ومنهم من خير بين ذلك وبين قسمتها وهو قول الأكثرين.
ثم إن أبا عبيد زعم أن الصحابة رضي الله عنهم رأوا دخولها في كلتا الاثنتين فلذلك منهم من أشار بقسمتها ومنهم من أشار بحبسها ورد ذلك أصحاب مالك وقالوا لو دخلت في آية الغنيمة لكانت حقا للغانمين.
كالمنقولات فكيف يخير الإمام بين إعطائها لأهلها المستحقين لها وبين منعهم حقهم وقد يقال إن من رأى قسمتها كالزبير وبلال رضي الله عنهما وهو أول اختياري عمر رضي الله عنه لم يكن مأخذه في ذلك دخولها في آية الغنيمة وإنما يكون مأخذهم في ذلك أنها لما كانت فيئا لجميع المسلمين وحقا مشتركا بينهم جاز تخصيص الغانمين بها لأنهم من جملة المسلمين ولهم خصوصية على غيرهم بحصول هذه الأرض بقتالهم عليها فإذا كانت المصلحة في تخصيصهم بها جاز وهذا كما أقطع عثمان رضي الله عنه جماعة من الصحابة بعض أرض السواد إقطاع تمليك ونظيره وقف الإمام بعض أراضي بيت المال على بعض المسلمين وقد أفتي بجواز ذلك ابن عقيل من أصحابنا وطوائف من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة ومن الشافعية من منع ذلك وسنذكر ذلك مستوفى فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الأصل الثاني حكم خيبر وقد اختلف الناس فيما فعله فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت طائفة قسمها جميعا بين أهل الحديبية ومن شهد خيبر ومن غاب عنها وهذا قول الزهري ذكره أبو داود في سننه وقد تقدم أن عمر رضي الله عنه قال لولا آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر وكذا روى ابن وهب في مسنده عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عمن سمع عبدالله بن المغيرة بن أبي بردة يقول سمعت سفيان بن وهب الخولاني يقول لما افتتحت مصر قال الزبير بن العوام لعمرو بن العاص رضي الله عنهما أقسمها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فقال عمرو لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين فكتب إلى عمر رضي الله عنه فكتب إليه عمر رضي الله عنه.
أن دعها حتى يغزو منها حبل الحبلة وأخرجه الإمام أحمد وأبو عبيد.
وروى أبو إسحاق الفزاري في كتاب السير عن ابن المبارك عن جرير ابن حازم قال سمعت نافعا يقول أصاب الناس فتحا بالشام فيهم بلال قال وأظنه ذكر معاذا فكتبوا إلى عمر رضي الله عنه إن الفيء الذي أصيب لك خمسه ولنا ما بقي ليس لأحد فيه شيء كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر فكتب عمر رضي الله عنه إنه ليس على ما قلتم ولكن أوقفها للمسلمين فراجعوه الكتاب وراجعهم بأبون ويأبى فلما أبوا قام عمر رضي الله عنه فدعا عليهم فقال اللهم اكفني بلالا وأصحاب بلال فما حال الحول حتى ماتوا جميعا.
وقالت طائفة لم يقسم فيها شيء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إنما قسمت في عهد عمر رضي الله عنه فهذا قول الطحاوي قال وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم غلاتها ولم يقسم الأرض وإنما قسم أرضها عمر رضي الله عنه في خلافته حين أجلى اليهود عنها.
وقالت طائفة بل قسم بعضها وترك بعضها بغير قسمة للمصالح وهذا هو الأظهر.
ويدل عليه ما خرجه أبو داود من رواية أسامة بن زيد عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر رضي الله عنه أنه قال جزأ رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ثلاثة أجزاء جزأين بين المسلمين وجزء نفقة لأهله فما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين.
وخرج أيضا من طريق ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة قال قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر نصفين نصف لنوائبه وحاجته ونصف بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما.
ومن طريق أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار قال لما أفاء الله على نبيه صلى الله عليه وسلم خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهما جمع كل سهم مائة سهم فعزل نصفها لنوائبه وما ينزل به وعزل النصف الآخر فقسمه بين المسلمين.
وأخرجه أيضا من طريق أبي شهاب عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أنه سمع نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا فذكر هذا الحديث وقال كان النصف سهام المسلمين وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعزل النصف للمسلمين لما ينوبه من الأمور والنوائب.
وأخرجه أيضا من طريق محمد بن فضيل عن يحيى بن سعيد عن بشير ابن يسار عن رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما ظهر على خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهما جمع كل سهم مائة سهم فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين النصف من ذلك وعزل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس فهذا صريح في أن نصف خيبر قسم على أهلها ونصفها تركه النبي صلى الله عليه وسلم فيئا يتصرف فيه تصرفه في الفيء.
وخيبر إنما قسمت على أهل الحديبية خاصة.
وروى علي بن زيد عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كانت خيبر فقال الزهري وابن إسحاق كان منهم من غاب عنها وأخذ من نصيبه وقال موسى بن عقبة لم يتخلف عن خيبر أحد من أهل الحديبية.
واختلفوا هل أعطى من القسمة من شهد خيبر ممن لم يشهد الحديبية على قولين حكاهما القاضي إسماعيل في كتاب الأموال له.
وذكر ابن إسحاق أن خيبر قسمت على نخل من شهدها من أهل الحديبية قال القاضي إسماعيل ولم تختلف الرواية أنها قسمت بين أهل الحديبية من شهد منهم خيبر ومن غاب عنها.
وفي صحيح البخاري أن عمر رضي الله عنه لما أجلى اليهود من خيبر قال من كان له سهم بخيبر فليحضر فقسمها عمر رضي الله عنه بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية.
وهذا يدل بمفهومه على أنه لم يقسم منها لمن لم يشهد خيبر من أهل الحديبية وقد أشرك النبي صلى الله عليه وسلم معهم جماعة جاءوا بعد الفتح منهم جعفر وأبو موسى وأصحابه وأبو هريرة وأصحابه فقيل كان ذلك برضا من المستحقين قاله موسى بن عقبة ومحمد بن سعد.
وفي مسند أحمد حديث يدل على ذلك ويحتمل أن يكون أعطاهم من الخمس واختلفوا هل كانت خيبر كلها عنوة أم لا؟
وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فأصبناها عنوة.
وقال الزهري بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال خرجه أبو داود من طريق يونس عنه.
وخرج أيضا من طريق مالك عن ابن شهاب أن خيبر كان بعضها عنوة وبعضها صلحا.
وعن الزهري أن سعيد بن المسيب أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح بعض خيبر عنوة.
وخرج أيضا من طريق ابن إسحاق عن الزهري وعبدالله بن أبي بكر وبعض ولد محمد بن مسلمة قالوا بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحقن دماءهم ويسيرهم ففعل فسمع بذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.
قال القاضي إسماعيل ما كان من خيبر أخذ من غير قتال جرى مجرى بني النضير.
وسئل الإمام أحمد عن أرض خيبر فقال ما صح لي من أمرها شيء نقله عنه إسحاق بن منصور وعن إسحاق بن راهويه مثله.
وإذا تقرر هذا فمن زعم أن خيبر كلها قسمت استدل بذلك على وجوب قسمة الأرض بين الغانمين ومن زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقسم شيئا من أرضها استدل بذلك على أن الأرض لا تقسم بل تترك فيئا وأما قسمة عمر رضي الله عنه لها دون أرض العنوة التي فتحها فلأن المسلمين كثر فيهم من يعمل على الأشجار فاستغنوا عن اليهود وأرض خيبر من أرض الحجاز وهي أرض عرب فلا يضرب عليهم الخراج ولا يبقى فيها كافر بعد إجلاء عمر رضي الله عنه اليهود عنها فتعين قسمتها بين أهلها ليشتغل كل واحد منهم نصيبه ومن رأى أن بعضها قسمه النبي صلى الله عليه وسلم وبعضها تركه فيئا استدل بذلك على جواز الأمرين وزعم ابن جرير الطبري أن ما قسمه النبي صلى الله عليه وسلم منها كان فتح عنوة وما لم يقسم منها كان أخذه صلحا واعترض القاضي إسماعيل على من استدل بقسمة خيبر على قسمة أرض الفيء بأن قسمة خيبر لا يجوز القياس عليها لأنها قسمت على أهل الحديبية من غاب منهم ومن حضر واشترك فيها من لم يحضر الوقعة من غير أهل الحديبية ومع هذا يمتنع إلحاق غيرها بها ويجاب على ذلك بأنه يحتمل أن أهل الحديبية لم يتخلف منهم أحد عن شهود فتح خيبر كما ذكر موسى بن عقبة ويحتمل أن إعطاء أبي موسى وأبي هريرة وأصحابهما رضي الله عنهم.
كان بطيب نفس الغانمين كما قاله موسى بن عقبة ومحمد بن سعد وأن يكون لحوقهم قبل إحراز الغنيمة فاستحقوا مع الغانمين بناء على أن الغنيمة لا تملك بدون الحيازة فمن أدركهم قبل حال الملك ملك معهم وهو كلام الخرقي من أصحابنا.
وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم من غنائم بدر لبعض من كان غائبا عنها كعثمان وطلحة والزبير رضي الله عنهم وهذا يدل على أن الغنيمة ليست كمباح اشترك فيه ناس مثل الاصطياد والاحتطاب فإن ذلك الفعل مقصوده هو اكتساب المال بخلاف الغنيمة فإن المقصود للجهاد إعلاء كلمة الله والغنائم لم تبح لمن كان قبلنا وإنما أبيحت لنا معونة على مصلحة الدين وأهله فمن نفع المجاهدين بنفع استعانوا به على تمام جهادهم جعل منهم وإن لم يحضر ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون يد واحدة يسعى بذمتهم أدناهم» ويرد مستريهم على قاعدهم فإنما المتسري إنما يسري بقوة القاعد فالمعاونون للمجاهدين من المجاهدين فإذا رأى الإمام إشراك من فيه منفعة للمسلمين في الغنيمة جاز كما يجوز أن يفضل بعض الغانمين على بعض للمصلحة في أصح القولين وهو إحدى الروايتين عن أحمد ويدل عليه إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم المؤلفة من غنائم حنين وكان شيئا كثيرا لا يحتمله الخمس.
ومما يستدل به على أن الأرض لا يجب قسمتها فإن النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة وكان فتحه عنوة على أصح القولين كما دلت عليه النصوص الصحيحة ولم يقسمها بل أطلقها لأهلها ومن عليهم بأنفسهم وديارهم وأموالهم حيث أسلموا قبل قسمة ذلك كله ولم يعوض أحدا من الجيش معه عن ذلك شيئا بخلاف مال هوازن لما رده عليهم بعد القسمة فإنه عوض من لم يرض بالرد.
الأصل الثالث فعل عمر رضي الله عنه في أرض العنوة التي فتحت في زمانه فإنه لم يقسمها بين الغانمين وكان قد عزم على قسمة بعضها ثم رجع عن ذلك ورأى قسم بعضها ثم استردها قسمة كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وقد سبق بعض الآثار عن عمر رضي الله عنه بذلك وسيأتي بعضها إن شاء الله تعالى فاختلف الناس في وجه ما فعله عمر رضي الله عنه فقالت طائفة رأى أن الأرض تكون فيئا للمسلمين فلا تقسم بين الغانمين وهذا قول جمهور العلماء كمالك وسفيان وأحمد وغيرهم وقد سبق عن عمر رضي الله عنه ما يدل على ذلك وروى أبو عبيد من طريق الماجشون قال قال بلال لعمر رضي الله عنه في القرى التي فتحوها عنوة أقسمها بيننا وخذ خمسها فقال عمر رضي الله عنه لا هذا عين المال ولكني أحبسه فيما يجري عليهم وعلى المسلمين.